رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
170
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
وفي الخريف يصفو الهواء ، وترتفع الأمراض ، وتصحّ الأبدان ، ويمتدّ الليل ، فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله ، ويطيب الهواء ، وفيه مصالح أخرى لو تقصّيت لذكرها لطال فيها الكلام . فكِّر الآنَ في تنقّل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة وما في ذلك من التدبير ، فهو الدور الذي تصحّ به الأزمنة الأربعة من السنة : الشتاء ، والربيع ، والصيف ، والخريف ، ويستوفيها على التمام ، وفي هذا القدر من دوران الشمس تدرك الغلّات والثمار ، وتنتهي إلى غاياتهم ، ثمّ تعود فتستأنف النشوء والنموّ ، ألا ترى أنّ السنة مقدار مسير الشمس من الحَمَل إلى الحمل ؛ فبالسنة وأخواتها كان « 1 » الزمان من لدن خَلَق اللَّه العالم إلى كلّ وقت وعصر في غابر الأيّام ، وبها يحسب الناس الأعمار والأوقات الموقّتة للديون والإجارات والمعاملات وغير ذلك من أمورهم ، وبمسير الشمس تكمل السنة ، ويقوم حساب الزمان على الصحّة . انظر إلى شروقها على العالم كيف دبّر أن يكون ، فإنّها لو كانت تبزغ « 2 » في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات ؛ لأنّ الجبال والجدران كانت تحجبها [ عنها ] فجعلت تطلع في أوّل النهار من المشرق ، فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب . ثمّ لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتّى تنتهي إلى المغرب ، فتشرق على ما استتر عنها في أوّل النهار ، فلا يبقى موضع من المواضع إلّاأخذ بقسطه من المنفعة منها والإرب التي قدّرت له ، ولو تخلّفت عن مقدار عامّ أو بعض عامّ كيف كان يكون حالهم ؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء ؟ فلا ترى كيف كُفي الناسُ هذه الامورَ الجليلة التي لم يكن عندهم حيلة ، فصارت تجري على مجاريها ، لا تفتلّ « 3 » ولا تتخلّف عن مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه .
--> ( 1 ) . في المصدر : « يكال » . ( 2 ) . بزع بزغاً ، أي طلع . لسان العرب ، ج 8 ، ص 418 ( بزغ ) . ( 3 ) . لاتفتلّ ، أي لاتنصرف ولا تزول . راجع : لسان العرب ، ج 11 ، ص 514 ( فتل ) .